مرحبًا أيها الروح الجميلة...
تبدأ كل قصة من مكانٍ ما في الجسد؛ من أرضٍ، أو سلالةٍ متوارثة، أو جرحٍ هادئٍ تحوّل مع الزمن إلى نداء.
أما قصتي فقد بدأت في فلسطين.
ومن تلك البداية نُسج كل ما أنا عليه اليوم، وكل ما أقدّمه للعالم. خيطًا بعد خيط، عبر الألم والنعمة، وعبر الصمود والمحبة، تشكّل هذا النسيج الذي أشاركك إياه هنا.
قصتي
نسيج من التحرر
أنا مرافقة وحارسة للحكمة المتوارثة عبر الأجيال، أنسج من تجاربي وهوياتي المتعددة نسيجًا حيًا ومتجددًا.
بدأت رحلتي في قلب فلسطين؛ وُلدت في القدس ونشأت في بيت لحم، حيث شكّل إرثي الفلسطيني المسيحي الأساس الذي ارتكزت عليه روحي وهويتي. قادني شغفي بالمعرفة إلى بيروت، حيث درست علم اللاهوت، وهناك التقيت بزوجي، وهو صانع نمساوي لآلات الأورغن الكنسية. معًا رزقنا بولدين رائعين أصبحا اليوم شابين يخطوان بثقة نحو حياتهما الخاصة، في واحدة من أجمل تجليات التلاقيات والمعاني التي تنسجها الحياة.
أما رحلتي الأكاديمية والمهنية، فقد كانت مسارًا متواصلًا نحو فهم أعمق للشفاء الإنساني بكل أبعاده. أحمل درجة الماجستير في العلاج الزواجي والأسري، كما أنني مدربة حياة معتمدة ومختصة في العمل المراعي لتأثيرات الصدمة، وممارِسة معتمدة في البرمجة اللغوية العصبية (NLP)، ومشرفة مهنية للمدربين.
لكن التحول الأعمق في مسيرتي كان تحولًا روحيًا وإنسانيًا وسياسيًا في آنٍ واحد. فمنذ بدء الإبادة الجماعية في غزة في أكتوبر 2023، تبلورت رسالتي بشكل أكثر وضوحًا وإلحاحًا.
تتمثل هذه الرسالة في إعادة وصل ممارسات الشفاء بجذورها الأصيلة، والتحرر من الأنماط التي أبعدتنا عن حكمتنا المتوارثة وطقوسنا الإنسانية العميقة، ولا سيما الحكمة المقدسة التي حملتها الأمهات والجدات عبر الأجيال.
أسعى إلى إحياء تلك الطقوس الأنثوية المتوارثة وتجسيدها في الحياة المعاصرة، وإعادة منحها المساحة التي حُرمت منها طويلًا. ويأتي عملي كتعبير واعٍ عن رؤية مختلفة للشفاء؛ رؤية تكرّم الجسد، والذاكرة، والانتماء، والحكمة المتجذرة في التجربة الإنسانية.
ومن خلال التدريب، والإشراف المهني، والممارسات التحولية المقدسة، أرافق الآخرين في رحلة استعادة الحكمة التي تسكن أجسادهم وقصصهم، والمساهمة في نسج مستقبل يكون فيه الشفاء متجذرًا في الهوية، نابضًا بالمعنى، وصادرًا من أعماق ذواتنا.
سيرتنا تصبح بيولوجيتنا
عندما منحت معلمتي الروحية كارولين ميس كلماتٍ لهذه الحقيقة للمرة الأولى، شعرت أن شيئًا في داخلي تعرّف إليها قبل أن يتمكن عقلي من استيعابها بالكامل.
لأنني كنت قد عشتها بالفعل.
فالقصص التي نحملها معنا — عن هويتنا، وأصولنا، وما مررنا به، وما نجونا منه — لا تبقى حبيسة الماضي. إنها تستقر في الجسد، وتترك بصمتها في الجهاز العصبي، وتصبح البنية الخفية التي تشكّل طريقة تنفسنا، وثقتنا، ومحبتنا، وحضورنا في الحياة، وحتى قيادتنا للآخرين.
نشأت في فلسطين، وحملت إرثًا نسجته تجربة التهجير والإيمان والمحبة العنيدة لشعبٍ رفض أن يُمحى من الوجود. وقد عاشت هذه القصة في جسدي طويلًا قبل أن أمتلك اللغة أو الأطر التي تساعدني على فهمها وتسميتها.
أصبحت رحلة شفائي رحلة تنقيب عميقة؛ طبقة بعد أخرى، عبر الوعي الجسدي، والتأمل الروحي، والعمل المقدس والبطيء على تحرير جهازي العصبي من آثار ما ورثته دون وعي. رحلة تعلمت خلالها التمييز بين ما هو لي وما انتقل إليّ عبر الأجيال، وبين ما كان جرحًا وما كان حكمة.
ما اكتشفته هو أن الداخل والخارج في حوارٍ دائم.
فالعالم الذي نحمله في أعماقنا يعكس، بطرق عديدة، العالم الذي نعيش فيه من حولنا. وعندما نتحلى بالشجاعة الكافية لمواءمة هذين العالمين، يحدث تحول عميق.
نتوقف عن الاستجابة للحياة من خلال جراح الماضي، ونبدأ بالاستجابة من حضور اللحظة الراهنة.
نتوقف عن التظاهر بالكمال أو التكامل، ونبدأ بتجسيده فعليًا في أجسادنا وحياتنا.
وكشجرة الزيتون، أعرف جذوري وأعرف الأرض التي أقف عليها. لكنني تعلمت أن التجذر لا يعني الجمود، بل هو الشرط الذي يسمح لنا بالنمو، والتفرع، والامتداد نحو الضوء.
ذلك الرمز الإلهي الفطري، وذلك النداء العميق للحياة الكامنة في داخلنا، يسكن فيك أيضًا.
وهذا العمل هو دعوة لاكتشافه، وإيقاظه، والانسجام معه؛ بالكامل، وبشجاعة، وبالطريقة التي تعبّر عن حقيقتك الخاصة.
لأن رحلة الشفاء ليست محاولة لتصبح شخصًا آخر، بل عودة صادقة إلى ما كنت عليه في جوهرك منذ البداية.